قالت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية إن دول الخليج تتداول مع حلفائها الإقليميين المحتملين في اجتماعات مكثفة خلف الأبواب المغلقة، كيفية الاستعداد لما بعد الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران، ولا سيما احتمال ألا يعتمد الأمن في المنطقة حصرًا على الولايات المتحدة.
وأشارت الصحيفة في هذا الإطار إلى دور محوري تركي في تطوير هذا التوجه. ففي 19 مارس، اجتمع وزراء خارجية تركيا والسعودية ومصر وباكستان في أول نقاش من نوعه حول التعاون الإقليمي.
وفي محافل أوسع شملت دولاً خليجية أخرى، صدر بيان مشترك اتسم بشدة غير معتادة تجاه إيران. واعتبرت الصحيفة أن البيان لم يعكس المعارضة السياسية فحسب، بل عكس أيضًا شعورًا بتزايد التهديد من طهران في ضوء ضرباتها على البنية التحتية المدنية والاقتصادية في أنحاء الخليج.
وقال وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان: لا تستطيع دول الخليج فهم سبب تعرضها للهجوم من إيران وهي ليست طرفًا في الحرب، وإذا استمرت هذه الهجمات، فقد يتم اتخاذ "إجراءات مضادة".
ورأت "هآرتس" أن إرسال مثل هذه الرسالة علنًا وفي إطار إقليمي واسع يعكس تغييرًا عميقًا في تصور التهديد الإيراني، ولكنه يعكس أيضًا بحثًا عن هيكل أمني مختلف، وبديل جزئي للاعتماد على الولايات المتحدة.
ومن وجهة نظر السعودية والإمارات، لفتت الصحيفة إلى أن هذا الموقف يمثل مفارقة. فعند اندلاع الحرب، أكدت دول الخليج أنها ليست طرفًا في النزاع، بل ورفضت السماح باستخدام أراضيها لشنّ ضربات على إيران. وسعت هذه الدول إلى الحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة مع طهران، استمراراً لاتفاقيات التقارب التي أُبرمت في السنوات الأخيرة.
لكنها أشارت إلى أن الواقع تغير، فالهجمات الإيرانية على منشآت الغاز الطبيعي القطرية والبنية التحتية النفطية السعودية والإماراتية تُعتبر ضربات مباشرة للأمن القومي لهذه الدول. كما وجهت إيران رسالة سياسية واضحة بإطلاقها وابلاً من القنابل على السعودية بالتزامن مع اجتماعات الرياض.
تقليل الاعتماد الأمني على الولايات المتحدة
وعلقت الصحيفة: "هنا يكمن التغيير الجوهري. لا تتجه دول الخليج نحو الجانب الأمريكي الإسرائيلي، لكنها بدأت تنأى بنفسها عن الحياد. وهي تبحث عن سبل لتقليل اعتمادها الأمني على الولايات المتحدة دون التخلي عنه تمامًا. لا تسعى هذه الدول إلى الانفصال عن واشنطن، بل إلى إدارة علاقتها بها بشكل مختلف".
ونقلت عن تقارير أن السعودية وافقت على السماح للأمريكيين باستخدام مطار الملك فهد الدولي على الخليج العربي لعملياتهم في إيران، كما تستعد الإمارات العربية المتحدة لحرب طويلة الأمد وتبحث عن أساليب أخرى للعمل.
بالنسبة لإسرائيل، اعتبرت الصحيفة أن هذه التطورات تحمل أهمية مباشرة. فمن جهة، تُصدر دول الخليج ومصر تصريحات أكثر حدة تجاه إيران، مُشددةً على الضربات التي تستهدف البنية التحتية المدنية، وهو موقف يُشابه في كثير من الأحيان الحجج الإسرائيلية تجاه إيران. ومن جهة أخرى، تحرص هذه الدول على عدم الظهور بمظهر المنحاز لإسرائيل، مُحافظةً على نهج إقليمي مستقل.
وينتج عن ذلك وضع معقد: تتقارب مصالح الدول لكن الأطر السياسية تظل منفصلة، وقد تبقى إسرائيل في الخارج، وفق لما ذهبت إليه "هآرتس في تحليلها.
الدور التركي بالخليج
واستطردت: "هنا يأتي دور تركيا. فبالنسبة لدول الخليج، ليست تركيا هي الهدف الأساسي، بل مجرد أداة محتملة. بعد سنوات من التوتر، تحسنت العلاقات بين أنقرة والرياض والإمارات العربية المتحدة، وهي الآن تتخذ بعدًا استراتيجيًا".
ورأت الصحيفة في هذا الإطار أن المبادرة التركية لإنشاء هيكل للتعاون الأمني مع السعودية ومصر وباكستان تعكس إدراكًا، لا سيما من الجانب السعودي، بأن الاعتماد حصرًا على الأمريكيين غير كافٍ. وقد أوضح فيدان ذلك جليًا: إما أن تتحد دول المنطقة وتتعلم حل مشاكلها بنفسها، أو أن قوة خارجية ستفرض حلولاً تخدم مصالحها الخاصة.
بالنسبة للسعوديين، أشارت إلى أن السؤال لا يكمن في استبدال الولايات المتحدة، بل في كيفية تنويع مصادر أمنهم. وهنا يبرز دور التعاون الإقليمي، بما يوفره كل طرف من مزايا مختلفة: تركيا بصناعتها الدفاعية المتقدمة، وباكستان بقدراتها الاستراتيجية، ومصر بقوتها العسكرية، والسعودية والإمارات بمواردهما المالية.
وأشارت إلى أن هذا ليس تحالفًا رسميًا، بل منصة مرنة - تعاون في الإنتاج، وتنسيق سياسي، وربما، في المستقبل، آلية لإدارة الأزمات. هذا الغموض تحديدًا يسمح لدول الخليج بالمشاركة في التعاون دون الالتزام به التزامًا كاملاً.
وتابعت الصحيفة: "لقد ساهمت الحرب الحالية في تسريع هذه العملية، فعندما تُستهدف البنية التحتية للطاقة وتفشل الجهود المبذولة لتجنب الصراع، تصبح الحاجة إلى إطار إقليمي واضحة. ومع ذلك، فإن دول الخليج لا تتخلى عن علاقاتها مع واشنطن؛ بل تسعى إلى بناء نظام تكون فيه الولايات المتحدة شريكاً، لا الركيزة الوحيدة".
في نهاية المطاف، خلصت الصحيفة إلى أن الحرب الحالية قد تُبشّر ببداية نظام إقليمي جديد تنتقل فيه مسؤولية الأمن تدريجيًا من القوة العظمى الأمريكية إلى الفاعلين في المنطقة. وقد كانت دول الخليج في قلب هذه العملية.
https://www.haaretz.com/opinion/2026-04-03/ty-article-opinion/.premium/the-iran-war-may-produce-a-new-regional-order-less-america-more-turkey/0000019d-5366-db3c-a3df-dbe723a70000

